أحمد بن محمد ابن عربشاه

278

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ويصيب : إني وقعت مع هذا في يوم عصيب ، وأنه قاصد هلاكى ومقيم علىّ البواكى ، فالأولى الاحتراز والتأهب قبل زمان الجزّاز ، فإن حصل خير فما في الاحتراز ضير ، وإن وقع على الإهلاك العزم ، فأتلقى بما أعددته من ترس الحزم ، فوزن الجزار الثمن وشحط الزنيم بالرسن ، وأتى به مطابخ فقطعها إلى مسالخ « 1 » فشم رائحة لزهومه « 2 » وأحس من الجزار نكده وشومه . فلما دخل المسلخ ورأى القصابين هذا يذبح وهذا يسلخ ، واللحم شقات على الجدران معلقات ، وأنهر الدماء كدموع العشاق جارية ، ورؤوس الغنم وجلودها وأكارعها كل كاشية « 3 » ، هذه الكاشية في ناحية وهذه الكاشية في زاوية ، فرجف قلبه وازداد رعبه والتجأ إلى الله تعالى وتاب عما عليه من الذنوب مالا . فما واطأ القصاب المصارع أن شد من المشرقي الأكارع وجدله على الجدالة ، وأخرج لذبحه الآلة . فلما رأى هذه الحالة تحقق ما كان ظنه فاستحضر باله وأيقن أنه هالك لا محالة ، فنظر إلى القصاب وذكر ما قيل في حق الساب : نظروا إليك بأعين محمرة * نظر التيوس إلى شفار الجازر فوجد السكين كليلة ليس للذبخ بها حيلة ، فطلب المسن ليحدها ويريح ذبيحته إن حدها ، فتركه وذهب للمسنّ ، وقد تحقق الزنيم ما كان ظن ، فتنفس له البلاء وارتخى عنه عقد الفضاء ، فتمطى في رباط الأكارع فمزقه بحبل قاطع ثم وثب وقصد الهرب وخرج من الباب وصاحوا عليه هراب ، فلم يلتفت إلى الصوت ، وفر فرار من عاين الموت ، وطلب الخلاء وطريق الفضاء .

--> ( 1 ) مسالخ ، مفردها مسلخ : وهو مكان ذبح وسلخ الذبائح . ( 2 ) الزهم : رائحة اللحم السمين المنتن ، والمعنى أي تخيل نفسه بعد ذبحه وتعليق لحمه . ( 3 ) أي كل قطعة على حدة .